المفكر التونسي الأينوبلي: المشروع النهضوي العربي يتقدم ببطء

كتبهاالاتحاد الديمقراطي الوحدوي ، في 1 يناير 2009 الساعة: 08:25 ص

 

 123079

المفكر التونسي الأينوبلي: المشروع النهضوي العربي يتقدم ببطء

123079

جريدة الراي الاردنية بتاريخ 26/12/2008

 

حاوره: الطيب شلبي - على غرار محمد عمارة وأنور عبد الملك وهشام شرابي، ظل المثقفون العرب حليف النظرة الحالمة، لما يعتمل ما بين العقل والمواجيد من ردود فعل أغلبها يتصف بالإيجابية على الصعيد النظري على الأقل، لذلك ظلت النظرةُ رومانسية بعض الشيء، لكن للوقائع حكمها في التاريخ وتاريخ الثقافة والأفكار.

يشغل أحمد الأينوبلي، منصب أمين عام حزب الاتحاد الديمقراطي الوحدوي، الحزب ذي النزعة التحليلية للوقائع وأثر الثقافة العربية الإسلامية في تونس. وهو خريج كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، ويواصل مشواره النضالي في صفوف التيار القومي التقدمي، ما يجعل للحوار معه أهمية كبيرة، وهو يتحدث عن الحداثة، والأثر الفني والإبداعي عموما من الشعر إلى الفكر ومن القصة إلى المسرح والسينما.

 

الثقافي: في تونس هناك نخبة ثقافية لا تخفي هويتها العلمانية وتدافع عنها. وهناك في الجهة المقابلة نخبة لا تتردد في التصدي لها وترى أن الشرور كافة مردها العلمانية.. المشروع القومي الذي تحملونه وتدافعون عنه، أين هو من كل هذا؟.
- المشروع القومي ليس طرفا في هذه الثنائية المتصارعة التي أشار إليها السؤال، لأنها ثنائية غير أصيلة، بمعنى أنها ليست تعبيرا عن مشكلة موضوعية مطروحة في واقع الأمة العربية وتقتضي البحث لها عن حل. فالعلمانية أصلا مبدأ مسيحي لا يمكن فهمه خارج سياق الدعوة التي جاء بها المسيح عيسى بن مريم، وملخص هذا المبدأ المقولة الشهيرة ما لله لله وما لقيصر لقيصر . وعندما توغلت الكنيسة على الناس وأحكم رجال الدين المسيحي قبضتهم على كل مناحي الدين والدنيا ظهرت العلمانية من جديد في شكل صراع دام بين أنصار الكنيسة وخصومها، وأسفر عن الفصل من جديد بين سلطة الدين وسلطة الدنيا، وكان ميدان الصراع هو مجتمعات أوروبا، وقواه هم رجال الدين المسيحي من جهة، والفلاسفة والتجار والبورجوازية من جهة أخرى.
ولما كان الإسلام دينا للحياة في شمولها، وموجها لكل عبادات الإنسان الروحية منها والمادية (اقتصاد واجتماع وسياسية وثقافة وقضاء)، فإن الحضارة العربية لم تعرف عبر مسيرة تاريخها الطويل ذلك المبدأ الفاصل بين الروحي والمادي، والديني والدنيوي، أو السماوي والوضعي، بل لم تعرف ظاهرة الكهانة والظلامية الكنسية حتى في أعتى مراحل تخلفها المعاصرة، حيث أن الصراع الماثل اليوم بين من يُطلق عليهم نخبة ثقافية لا تخفي هويتها العلمانية، وأخرى لا تتردد في التصدي لها وترى الشرور كافة مردّها العلمانية، إنما هو صراع مستحدث عن تاريخ الأمة لم يظهر على الساحة الثقافية إلا مع بدايات الموجة الاستعمارية الأوروبية وما صحبها من غزو ثقافي واستهداف حضاري لأصالة الأمة العربية ووحدتها.
ولعلك تلاحظ أن كلا النخبتين ( العلمانية و غير العلمانية ) تتفقان في معاداتهما للوحدة العربية، وتستلهمان أفكارهما إما من فلاسفة التنوير الإلحادي في الغرب، أو من مشايخ الفقه المستحدث في آسيا الوسطى. ولو تم استبعاد هاتين النخبتين سترى أن غالبية النخبة الثقافية العربية، وإن كانت لا ترفع الصوت صراخا وضجيجا، تمثل القاعدة في المشهد العام، وتعبّر عن تواصل أصيل مع تاريخها ومع تاريخ الشعوب المجاورة.

الثقافي :بخصوص العروبة والإسلام، كيف يمكن التكيُّف مع هذه المفاهيم من وجهة نظر ثقافة وطنية جادة؟
- نحن لا نرى للثقافة الوطنية الجادة مضمونا غير مضمون العروبة والإسلام. العروبة كانتماء حضاري متعدد الأبعاد، والإسلام كدين جامع منظم لعلاقة الإنسان بالله وبالوجود وبالمجتمع. فالثقافة الوطنية الجادة مهمتها تأصيل وضعية الإنسان في الكون بوصفه أداة للأعمار والخلق وتدعوه إلى التواضع أمام عظمة الخلق الإلهي.
كما تسعى لتأصيله في تربيته الحضارية لغة وقيما وقواعد للسلوك، وتنهج به نحو إعلاء مبادئ التضحية في سبيل الوطن والعمل من أجل نهضته في جميع مجالات الحياة، وترتقي به إلى مرتبة الإحساس بشرف أن يكون الفرد إنسانا له حقوق وعليه واجبات يشترك فيها مع الآخرين. والثقافة الوطنية الجادة اليوم تدعو الناس إلى الاهتمام بالقضايا الحقيقية التي تشكوها الأمة، خصوصا قضايا التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وقضايا التخلف المعطِّل للانطلاق من ذلك، ومشاكل التجزئة والاستعمار والاستبداد والتفاوت الاجتماعي. ببساطة إن العروبة والإسلام ليستا قضيتين فكريتين تحتاجان إلى حسم ثقافي، وإنما هي محصلة انتماء تاريخي استقرت عليه شخصية الأمة، فصار قاعدة انطلاق للثقافة الجادة تتمثله في كل عطاء حضاري جديد، وهو ما سارت عليه النخبة الثقافية الجادة وما تزال.

الثقافي :تحدثت في عدد من الحوارات الصحفية أنك تحمل مقاربة لتجديد الفكر القومي. ما هي هذه المقاربة؟ وهل لها علاقة بالمحاولات الجارية حالياً في الشرق العربي؟
- على صعيد تجديد الفكر القومي، أحاول أن أتبين مقاربات جديدة لتحفيز الجهد الفكري والسياسي للحركة القومية العربية التي شهدت إخفاقات غير منكورة في طريق الوصول إلى أهدافها المختزلة في شعار الحرية والاشتراكية والوحدة.
ولعل أهم ما حاولت معالجته في هذا الخصوص، مشكلة الإسقاط السياسي التي دأب عليها الفكر القومي في تعامله مع قضايا أقطار الوطن، إلى جانب الطابع النخبوي للنضال القومي، وتغافله عن عديد القضايا التي منها ما له علاقة متينة بآليات النجاح، وأعني بذلك مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان ونظام الحكم، ولذلك أعطيت الديمقراطية والمواطنة والفكر الجمهوري حيزا مهما في برنامج حزب الاتحاد الديمقراطي الوحدوي ، كما حرصت على جعل الحزب فضاء للتواصل الوحدوي بين العائلات الفكرية للحركة القومية العربية، وتم إعطاء برامج النضال القطري الأولوية السياسية، انطلاقا من أن الوفاء لتونس مثلا وفاء للأمة العربية، وأن الأمة ليست وجودا معلقا فوق الأقطار، وإنما هي في واقع كل قطر.
هذا الفهم، وإن كان يلاقي تشنجا ومقاومة من بعضهم، يمثل إضافة لا بد منها لتصحيح بعض الرؤى الفكرية على الطريق نحو الأهداف.

الثقافي :هناك رأي يقول إن القطيعة في الفكر العربي المعاصر من مظاهر التخلف والتبعية في الثقافة العربية، وإن الدعوات القومية استندت إلى ركائز تاريخية ولغوية، ولكن أبرز ما اتصفت به هذه الدعوات وما ارتبط بها من حركات أنها جميعا كانت تبدأ من الصفر تقريبا وترمي بكل ما جاء به معاصروها أو من سبقها بفترة زمنية ليست طويلة، بقصد البرهنة على صدقها وعلى أنها التي فيها البلسم والشفاء؟
- لا بد من تأكيد أن الثقافة العربية المعاصرة وكذلك الحركات السياسية القومية المناضلة على هديها، إنما هي في موقع رد فعل ومقاومة لثقافة غريبة غازية بدأت منذ القرن التاسع عشر، وما تزال إلى الآن مدعومة بالجيوش والأساطيل والقوة الاقتصادية والإعلامية الغاشمة، كما يجب تأكيد أن ما تتعرض له الأمة العربية في أراضيها وثقافتها وثرواتها ووحدتها من تحديات هو من أعتى ما يمارَس على أي أمة في التاريخ المعاصر، وتكفي الإشارة هنا إلى الكم الهائل من المشاريع الأجنبية التي تسعى للنفاذ عبر الأمة العربية وعلى حسابها في المرحلة الراهنة.
رغم هذا الواقع، وفي ظل غياب جهد سياسي أو ثقافي عربي رسمي موحد، فإن واقع الحال يشير إلى أن المشروع الثقافي والسياسي القومي يتقدم ولو ببطء، وما ترونه قطيعة في الفكر العربي أو إنكارا لما جاء به المعاصرون ، أو اختزالا للمشروع في بعض الركائز التاريخية واللغوية ، إنما هو نظر في سطح الحدث القومي وفق قراءة آلية للفعل الثقافي لا تأخذ في الحسبان المشروع القومي في صيرورته التاريخية.
ولعلي لا أجانب الحقيقة عندما أقول إن ما يبدو من تشتت في حركات العمل القومي، وتنافس يصل الإقصاء في ما بينها، وتعدد في الرموز، وقطيعة في المشاريع، إنما هو أصدق تعبير على وحدة الأمة ووحدة مشروعها ، لأنه لا يمكن موضوعيا -والحال على ما هي عليه من تجزئة سياسية وقانونية وثقافية وفكرية وتفكك قطري مزمن- أن يستقيم المشروع المقاوم في وحدة نموذجية صماء، لأنه بذلك يفقد مرونة المواجهة، ويلغي التعدد الموضوعي الحاصل في واقع الأمة.
ولو عمقنا التأمل في ما يجري على الساعة العربية لوجدنا اليوم أن الأزمة تدفع بكل المشاريع، بما في ذلك المشاريع غير القومية إلى نوع من المراجعة والتراجع والبحث عن مركز جديد للّقاء الفكري والثقافي والسياسي الجامع، وهو ما نراه في فكرة العروبة الجامعة و الوفاق القومي ، لذلك نحن ندعو إلى توافق بين المدارس العروبية الوحدوية وليست دعوة لإلغائها أو القفز عليها، فنحن دعاة فعل سياسي قومي موحد فاعل قادر على مواجهة الواقع الموضوعي للأمة يتجاوز تفاصيل الاختلاف الأيديولوجي بين المدارس ذات التوجه القومي.

الثقافي: ثمة من يرى أن الفكر العروبي والقومي انحصر في ما هو سياسي فقط، وكأن الثقافة شيء زائد خلافاً لما كان سائدا زمن عبد الناصر. كيف تنظرون إلى هذا الرأي؟
- لعل العكس هو الصحيح، إذ إن معظم الإنتاج الفكري والثقافي العروبي والقومي تناول قضايا متعددة بين اقتصاد وأدب وفن وسينما وقانون وهجرة وبطالة وقضايا الشباب والمرأة والهوية، في حين كان اهتمامه بالقضايا السياسية محدودا ودون ما يحتاجه الواقع. ولعل صاحب هذا الرأي ينظر إلى الثقافة بوصفها إسقاطا أيديولوجيا وليست تعبيرا عن الحياة في تنوع فروعها.
نحن نرى أن غالبية الإنتاج الثقافي في الأقطار العربية من شعر وقصة ومسرح وسينما وفنون الهندسة المعمارية وغيرها إنما هي تعبير أصيل عن الثقافة في بعدها القومي الأصيل، حتى وإن طبعتها التجزئة القطرية وتأثيرات الثقافة الوافدة ببعض شوائب الإقليمية والاغتراب.

الثقافي :رشحكم حزبكم للانتخابات الرئاسية التي ستجري في تونس العام ,2009. ما هي المساحة التي ستعطونها للثقافة في برنامجكم الانتخابي؟.
- تكتسب الثقافة أهمية خاصة في ظل ما يشهده عالم اليوم من تداعي للحدود الثقافية الاقتصادية والاجتماعية بين الدول والمجتمعات، مما يستدعي تعزيز البناء الثقافي وهيكلته بما يمكن من مقاومة سلبيات ثقافة العولمة والمحافظة على الذات الوطنية في عمق انتمائها وهويتها. ولئن حققت تونس مكاسب كبيرة في مجال تطوير البنية الأساسية الثقافية وتخصيص نسبة مهمة من ميزانية الدولة للقطاع الثقافي وتوفير نسيج جمعياتي ثري وشامل لجميع ميادين الإبداع، فإننا كحزب حريصون على تعميق هذا التطور بالتركيز على دور القطاع العمومي إنتاجا وتسويقا، وتجويد المضامين بما يعزز مسألة الهوية الوطنية لغة وقيما وبدائل، لأننا نرى أن الثقافة ليست صناعة أو منتوجا سوقيا غايته الربح، وإنما هي آلية شأنها شأن التعليم تؤدي وظيفة اجتماعية وتربوية مهمة تساعد على استنهاض المجهود الوطني، وتعزيز قدرات المجتمع على الخلق والإنتاج والبناء الحضاري المتكامل.
ونحن ندعو دائما لإعطاء التعاون الثقافي مع محيطنا المغاربي والعربي والإفريقي والإسلامي مزيداً من الدفع، تثبيتا لخيراتنا الوطنية، وتطويرها، وتحصينا للهوية والانتماء العربي عمقنا الاستراتيجي الذي نضيف إليه ولا نستبد له بغيره من المشاريع المطروحة.

الثقافي :ثمة من يرى أن المسألة الديمقراطية لم تحتل حيزاً كبيراً في الخطاب السياسي للحركات القومية العربية، وأن هذا أحد أسباب هزيمة الحركات القومية العربية.. كيف تنظرون اليوم للمسألة الديمقراطية؟.
- أعتقد أن الحركات القومية العربية لم تتغافل عن المسألة الديمقراطية، بل تعاملت معها وفق منظور يربط بينها وبين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وهو ما عبرت عنه أطروحات في الأقطار كافة، سواء كانت الحركات القومية في الحكم أو في المعارضة، ولعل ما يعنيه السؤال بالمسألة الديمقراطية هو قضايا الحريات والتعددية والمشاركة في الحكم والتداول على السلطة، وحتى في هذا المستوى يمكن الإشارة إلى أن الديمقراطية في الفكر العروبي القومي مرتبطة كل الارتباط بمصالح المواطن العادي، ولذلك يتناول هذه القضايا بعيدا عن منطق النخبة الثقافية المعزولة، ويعود بها إلى مواقع عامة الناس، ويعطيها مضامينها الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية.
في تقديري، لا بد من التفريق بين فهم النخبة السياسية للديمقراطية، وهو قائم على المشاركة في الحكم؛ وفهم النخبة الثقافية، وهو قائم على حرية التعبير والإبداع والتنظيم؛ وفهم عامة الناس للديمقراطية بوصفها استجابة لتطلعاتهم في الحياة والسكن والعمل والغذاء والصحة والتعليم.
فباختلاف الموقع يختلف تقديرنا للمسألة الديمقراطية وأولوياتها. إن تحقيق الديمقراطية -أيما كان الموقع- هو المطلوب لاستنهاض الأمة نحو تحقيق وحدتها الشعبية في إطار سياسي موحد.
عندما يصر بعضهم على اتهام الحركات القومية بالتقصير في المسألة الديمقراطية، فذلك لكونها لا تفهمها فهما ليبراليا نخبويا، وإنما تعالجها وفق مقاربة عامة ترى أن كل خطوة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية إنما هي مراكمة في اتجاه النظام الديمقراطي القائم على مبدأ المواطنة الواعية والحرة.
من هنا فإن النضال من أجل حل مشاكل البطالة والتنمية الجهوية وتطوير التعليم وغيرها من المسائل الملحّة، إنما هو من صميم النضال الديمقراطي، وهذا لا يعني أننا لا نلح على ضرورة فسح المجال للتعدد بأكثر عمق لانتهاج الديمقراطية أسلوبا للتفاعل والجدل لتطوير الواقع الحياتي في جميع مناحيه، كما أنها الأسلوب الوحيد والأنجع اليوم لتحقيق الوحدة العربية لإطلاق الحرية لإرادة الشعب العربي الذي سيختار وحدته السياسية انسجاما مع وحدته الاجتماعية.

الثقافي :عُرف عنك مواقفك الجدية ضد المشاريع الأميركية والصهيونية والولاءات التي تتم لخلخلة العقل العربي ونقضه، فماذا تقول في مثل هذه الأيام الصعبة التي يتواجه رأساً لرأْسٍ فكرُ النخبة المحلية مع أخرى وافدة تدركون حقيقة نواياها؟
- مثلما يشير السؤال، ثمة مشاريع عديدة مطروحة على المنطقة، منها المشروع الأميركي والمشروع الصهيوني، وهي محكومة بتقدير تلك القوى لمصالحها ومصالح شعوبها، وتعمل بلا هوادة من أجل تفعيل حضورها وتكريسه استراتيجيا، وفي المقابل هناك نظام عربي رسمي يبدو متداعيا بفعل التآكل التاريخي واستفحال مظاهر الضعف والوهن، فهذا الواقع ساعد على تشكل طابور خامس في جميع الأقطار العربية يعمل بوعي، وفي الغالب دون وعي، ضمن حلقات المشاريع المعادية، وللأسف فإن مجمل المنخرطين في هذا الطابور هم ممن يحملون صفة النخبة.
في المقابل، يعمل مشروع المقاومة العربي على تعطيل عملية التداعي، وتثبيت قيم الأمة وأهدافها، وإسناد الهياكل القطرية والقومية ثقافيا وسياسيا واجتماعيا وقتاليا باختلاف المواقع والساحات، وهو يعتمد في كل ذلك على قوة تاريخ الأمة وأصالة شعبها وصلابة ثقافتها وقيمها. وهذا أمر مهم، لأن مناط النجاح في المواجهة القائمة حاليا ليس القوة الاقتصادية والسياسية أو العسكرية فحسب على أهميتها، وإنما النجاح الحقيقي معقود على قوى المشروع وحسن تموقعه التاريخي وتمثيله لشعبه وقدرته على تجاوز اللحظة الراهنة والمنازلة طويلة النفس، وبقدر صمود قوى الممانعة والرفض يتعاضم احتضان الشعب لطلائعه هذه ودعمها والالتفاف حولها.
فالتاريخ لم ينته كما ادعى فيلسوف الصراع الحضاري. والمستقبل للشعوب ذات التاريخ العريق مهما تطاولت مؤامرات السياسية والاقتصاد. والمنهزمون في المواجهة القائمة هم أولئك الذين فقدوا الصلة بتاريخهم وأصالتهم مهما كانت الرايات التي يرفعونها.

الثقافي :معروف عنك موقفك الرافض للتطبيع مع الكيان الصهيوني في وقت يبدو فيه أن هناك توجهاً عاماً عند بعض النخب يدعو إلى ما يسمونه عملية السلام ..
- ما يُطلق عليه عملية السلام ، ما هو إلا هدنة وتأجيل للمواجهة، لأن المشكلة ليست سياسية أو نزاعا حول الحدود والثروة، بل هي تناقض مشروعين لا يمكن التعايش بينهما. دعوات التطبيع التي يرفعها ويقودها بعض النخب الفكرية والسياسية العربية، لا تجد صدى لها في الجمهور العربي، كما أنها تعبّر عن مرحلة من الضعف وصل إليها الأداء العربي الرسمي دون التقليل من دور الاختراقات الصهيونية للعقل العربي الحديث من خلال بعض ما يسمى النخب الفكرية أو السياسية المهزومة أو العميلة.
الغريب اليوم أن السلام المطلوب عربيا لم يعد مطلبا صهيونيا، وهذا مؤشر على أن الصهاينة يعرفون أكثر من غيرهم أن مشروعهم في فلسطين محكوم عليه بالفشل تاريخيا. هكذا تبدو الصورة من وجهة نظر عربية قومية تقيّم الأوضاع في سياقها التاريخي وأبعادها الإستراتيجية، وليس في لحظتها الراهنة. أعتقد أن نهاية الصهيونية في فلسطين آتية لا محالة، ومصيرهم عودتهم إلى أوطانهم التي جاءوا منها أول مرة، فكل صهيوني على أرض فلسطينية اليوم له مجتمعه الذي ينتمي إليه قبل هجرته.
كل ذلك لأن الممانعة الثقافية والمقاومة للمشاريع الصهيو - أميركية فعلها أقوى من المستسلمين، ومن فعل النخب العميلة والمرفوضة أصلا شعبيا، لذلك فإن الأمة العربية لم تعلن استسلامها، وهذا كاف في الراهن تحصينا للأمة. وتصاعد الفعل الممانع والمقاومة من النخب والتنظيمات والأحزاب والفعاليات الشعبية من شأنه أن يضع الأمة العربية على الطريق السليمة باتجاه تحررها.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات صحفية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر